صديق الحسيني القنوجي البخاري
490
فتح البيان في مقاصد القرآن
قالَ فِيها أي في الأرض تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ استئناف كالتي قبلها وأعيد إما للإيذان ببعد اتصال ما بعده بما قبله وإما لإظهار الاعتناء بمضمون ما بعده وَمِنْها تُخْرَجُونَ إلى دار الآخرة ، ومثله قوله تعالى : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [ طه : 55 ] قيل الخطاب لآدم وذريته وإبليس وأولاده وقد سبق شرح هذه القصة مستوفى في البقرة فارجع إليه . يا بَنِي آدَمَ هذا تذكير ببعض النعم لأجل امتثال ما هو المقصود الآتي بقوله لا يفتننكم الخ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً عبر سبحانه بالإنزال عن الخلق أي خلقنا لكم لباسا ، وقيل رزقناكم لباسا ، وقيل أنزل المطر من السماء وهو سبب نبات اللباس فكأنه أنزله عليهم ، وقيل جميع بركات الأرض تنسب إلى السماء وإلى الإنزال كما قال تعالى وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [ الحديد : 25 ] . يُوارِي سَوْآتِكُمْ التي أظهرها إبليس حتى اضطررتم إلى لزق الأوراق فأنتم مستغنون عن ذلك باللباس وقال مجاهد : كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة والسوأة العورة كما سلف والكلام في قدرها وما يجب ستره منها مبين في كتب الفروع . وَرِيشاً وقرىء رياشا جمع ريش وهو اللباس قال الفراء : ريش ورياش كما يقال لبس ولباس ، وريش الطائر ما ستره اللّه به وهو لباسه وزينته كالثياب للإنسان ، وقيل المراد بالريش هنا الخصب ورفاهية العيش ، قال القرطبي : والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة . وعن أبي عبيدة وهبت له دابة وريشها أي ما عليها من اللباس . وقيل المراد بالريش هنا لباس الزينة لذكره بعد قوله لباسا وعطفه عليه ، قاله الزمخشري ، وقال مجاهد والضحاك والسدي : ريشا أي المال ، وعن عروة بن الزبير مثله ، وقال ابن عباس : المال واللباس والعيش والنعيم والإيمان ، وقال ابن زيد : الريش الجمال ، وقيل الأثاث وما ظهر مما يلبس أو يفرش . وَلِباسُ التَّقْوى أي الناشئ عنها أو الناشئة عنه والإضافة قريبة من كونها بيانية أي لباس الورع واتقاء معاصي اللّه وهو الورع نفسه والخشية من اللّه تعالى ، وقيل لباس التقوى الحياء وقيل الإسلام وقيل العمل الصالح ، وقيل هو لباس الصوف والخشن من الثياب لما فيه من التواضع للّه ، وقيل هو الدرع والمغفر الذي يلبسه من يجاهد في سبيل اللّه ، وقيل هو ستر العورة في الصلاة ، وقال عثمان : هو السمت الحسن ، وقال الكلبي : هو العفاف والأول أولى . وهو يصدق على كل ما فيه تقوى اللّه فيندرج تحته جميع ما ذكر من الأقوال ومثل هذه الاستعارة كثيرة الوقوع في كلام العرب .